الرئيسية / جدل / رأي: هل فشلت حكومة الصيد؟
r ajj

رأي: هل فشلت حكومة الصيد؟

تونس- ليبيان- رضا العجمي*

سؤال محرج سياسيا ومهم للمواطن التونسي الذي علق على هذه الحكومة  كما علق على الحكومات التي سبقتها , آمالا عريضة طواها النسيان واليأس منذ الاستقلال.

هذا المواطن التونسي اصبح يوما بعد يوم ابعد عن رجل السياسة الذي صنع لنفسه قوقعة صلبة تحميه من التشكيات والهموم الشعبية التونسية, رغم بساطة المطالب ويسر تحقيقها لو توفرت الإرادة والوعي السياسيين.

ماذا يريد المواطن وأين فشلت حكومة الصيد كما سبقها

مواطن تونسي يملك قاربا بحريا صغيرا بجربة، أراد ان يدفع معلوم الجولان، وهو مبلغ زهيد محدد باقل من دينارين سنويا. تقدم للمصلحة المختصة مستظهرا بأوراقه الكثيرة التي تثبت ملكيته للقارب. اعلمه الموظف العمومي انه مخالف للقانون لأنه لم يدفع معلوم الجولان للسنة الماضية. قبل المواطن راضيا ان يدفع ما عليه وحتى ان يدفع مصاريف التأخير. الموظف اجابه انه لا يستطيع ذلك, بل عليه ان يحمل القارب اليه لكي يعاينه, لأنه لم يدفع السنة الفارطة. ذهل المواطن وقال له كيف يمكنني ان اجر القارب لحضرتك هنا من الشاطئ، عدى ان ذلك سيكلف لنقله مبالغ كبيرة، ناهيك عن العناء. طلب المواطن من الموظف ان يأتي معه لمعاينة القارب بنفسه, وهو يتحمل تكاليف التنقل, لتجنب اعطاب المركب والجهد واضاعة الوقت, خاصة انه  قدم لأيام قليلة فقط بالجزيرة في عطلته السنوية. بانضباط واحترام للقانون، رفض الموظف ذلك وارسله للسيد عاشور امام الإدارة لكي يفسر له كيف يحل عقدته. وبما ان المواطن المسكين من ذوي السوابق في الحفاظ على المبادئ، خرج مغاضبا ولم بتلفت لا لخميس ولا لعاشور الذين كانا ينتظرانه على الباب لمساعدته على حل عقدته مع القانون.

اجزم ان كل مواطن له قصص من هذا القبيل تكاد تكون يومية مع الإدارة.

المواطن لم يرد غير ان يجد التسهيل والتفهم لدى الإدارة، وهو مستعد لدفع المال لأجل توفير خدمة إدارية محترمة وسريعة , تربحه الساعات الطوال والوقوف كالشحات في طوابير الانتظار للتعريف بالإمضاء في شكل مخجل يذكرك بالإجراءات المتكلسة منذ 1956, في زمن المعلوماتية والكمبيوتر.

المواطن يريد ان تنكب الإدارة التونسية على اصلاح القوانين التي تعرقل سيرها وتكبد المواطن عشرات من ساعات الشغل المهدورة على أبواب المصالح المعطلة.

المواطن لا يطمع سوى بان يمر عبر الديوانة بدون ان تتلقفه الذئاب المنفردة في اركان الميناء لتعرض عليه خدمات التسريع بالإجراءات، هو فقط يريد ان يحس بانه يعامل في بلاده كما يعامله الأجانب في بلدان المهجر وبنفس الانسيابية والوضوح والشفافية.

المواطن يريد ان يكون متأكدا ان رسائله او طرده التجاري تصل بأمان في الوقت المحدد الى المكان المحدد بدون تعطيل او ضياع، حتى لا يضطر لطلب خدمة الشركات التجارية العالمية الباهظة التي أدركت ان سوقها في رواج مع إدارة مكبلة بالتفاصيل والملفات التي تبدا دائما بالمضمون وتنتهي بالطابور في احدى القباضات المالية لسداد معلوم يكون أحيانا اقل بمئات المرات من ثمن الوقت المهدور.

المواطن يريد طرقات سالكة في المناطق الداخلية، وطرقات سريعة نحو كافة الولايات، حتى لا تضطر الحوامل لتلد على قارعة الطريق او على ظهر دابة، وحتي يقدر الأطفال على السير نحو مدارسهم البعيدة، لان طلب حافلة مدرسية يبدو انه من الكماليات في ضل ارتفاع تكلفة العمل الإداري والبرلماني.

المواطن يريد مستشفيات مجهزة وقريبة وسهولة في تلقي العلاج بدل الطوابير امام المستوصفات وضبط اداري يلزم العاملين بالسلك الصحي على احترام المواطن واوقات الدوام، فلا يلجا لبيع ارضه لدفع معلوم عملية جراحية طال انتظارها على قوائم الانتظار العمومية، في مستشفيات خاصة غالية الثمن صعبة المسالك، مؤصدة الأبواب عن ذوي الحاجة والعاهة.

المواطن يريد ان لا يشم روائح اكوام الزبالة في الطرقات وتتأذي صحته منها، واكداس فضلات البناء المرعبة في الأراضي الزراعية والدلاع المنتفخ المزرق المشبع بالمواد الكيمياوية، حتى يامن على صحته وصحة أولاده.

المواطن يريد سماء مفتوحة حتى لا يدفع ثلاثة اضعاف ثمن التذكرة لكي يأتي لزيارة بلده وأهله, لشركة تحمل اسم تونس وتمنع المنافسة وتستهلك كل العملة الصعبة التي يكافح ابناؤنا من اجل توفيرها في الغربة.

المواطن يريد سوقا مفتوحة حتي لا يضطر ان ينتظر سنتين لكي يحصل على سيارته اليابانية او الكورية, او يرغم على شراء سيارات استعمارية متوفرة بتسهيلات سياسية واملاءات تجارية سيادية تذكر بعهد باد .

المواطن يريد ان يستنشق هواء نقيا ويعيش في بيئة نظيفة، فلا يتسمم باطنان البلاستيك التي لوثت البر والبحر وقضت على أنواع من الحياة في الريف والحضر

المواطن يريد ان يربي أولاده بلا خوف عليهم من كلاب الزطلة والهيروين والكوكايين والحرباشة الذين وجدوا في المدارس والمعاهد بغيتهم، فأضحت محاضن العلم والمعرفة اوكار للفساد والدعارة والتمعش والاتجار بالبشر.

المواطن يريد قوانينا اكثر انضباط وانفتاح لبناء مجتمع خيري تونسي محلي , قد يمسح دمعة يتيم او معوز في احد الاصقاع النائية لتونس لا تصلها الدولة الا بدوريات الشرطة والجيش, عوض الترويج لثقافة الخوف من المحسنين والخلط المتعمد لها مع الاعمال الإجرامية والارهابية,

المواطن يريد ان يستفيد من خيرات بلاده ونفطها وفسفاطها وغازها وزيتها وتمرها, ويريد ان تدار هذه الثروات وفق مبادئ الحوكمة والشفافية كباقي دول العالم, عوض الصفقات المشبوهة والعمولات المركبة والعقود السائبة, ومنها ما يرجع الى فترة الاستعمار الفرنسي بأثمان تشبه فرنك عن كراء هكتار من المنجم الفلاني او المقطع العلاني.

المواطن المسكين لديه مطالب أخرى متواضعة، ولكن احتراما له سأوقف السرد لها, لان ذلك اصبح بلا نفع ومن قبيل الصياح بالفلاة في ضل حكومات عاجزة, همها في افضل الاحوال تصريف الاعمال, بدون أي حس سياسي إصلاحي او نظرة استراتيجية كان يجب ان توجد لدى الساسة بكل الوانهم.

رجوعا الى سؤالنا المركزي المطروح، اترك لكم شرف الإجابة عليه، لأني أصبحت لا اثق في جواب السياسيين المتربعين على صدر الساحة الوطنية. لقد حذقوا الكلام والسفسطة، وهم قادرون على اقناعنا بان الأمور أفضل مما نضن وان حالنا أفضل من حال سوريا والعراق وليبيا وفلسطين ومصر وكشمير والاكوادور والشيلي وفينزويلا وترينداد وجزر القمر.

ان المواطن التونسي لا يحذق السفسطة السياسية، ولا يريد سوى تحسين وضعه مع الإدارة بلجم البيروقراطية القاتلة التي تضيع ملايين ساعات العمل يوميا عن الوطن، ولا يريد سوى عملا بلديا منكبا على همومه, ولا يريد سوى النظر لاحتياجاته اليومية والضرورية. وكلما ابتعدت الطبقة السياسية عن هذه الهموم الأساسية كلما زادت الهوة اتساعا والقلوب ضغينة والدولة فشلا والحكومة ضعفا، ولو كانت حكومة وحدة وطنية.

حضرات النواب وأعضاء الحكومة الموقرة، اين انتم من هموم المواطن هذه، ام ان سكرة التحاصص والتباغض والتهافت والتراشق اخذتكم واغرقتكم. وهلا نظرتم ولو لمرة لهمومه بصدق لا يشوبه التحزب والايديولوجيا، كما يفعل جل اقرانكم بالعالم اجمع.

لك الله يا تونس

* رضا العجمي: محامي  ورئيس مركز جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان

 

عن raja gharsa

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>